صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
321
تفسير القرآن الكريم
عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلب . ( 17 ) ثم تداركهم باللطف بعد هذا التوبيخ ، بأن قلوبكم وإن قست وقطرت عمّا كان في سابق الإسلام ، وماتت بنسيان المعرفة وقلّة تلاوة الآيات والذكر الحكيم ، لكن اللّه يحييها بنور المعرفة والتلاوة والذكر لبقاء قابليتها بثبوت أصل الايمان فيها ، كما يحيي الأرض بعد يبسها لبقاء جوهرها وإن عدمت عنها الطراوة التي هي بمنزلة تذكر الآيات في الإنسان . والقلوب التي لم يبق فيها أصل الاعتقاد بمنزلة الأرض التي فسدت ذاتها وأرضيّتها وانقلبت سبخة أو رمادا أو ملحا ، لا يمكن إحياؤها بأنوار المعارف الحقّة ، ومياه الأعمال الصالحة ، كما لا ينصلح المملحة للعشب بأضواء الشمس ومياه المطر . ( 18 ) ثم رجع إلى الترغيب والحثّ للإنسان عن اكتساب العلم والعمل بحكاية حال العاملين والعالمين بذكر الوعد للذين تصدّقوا وأقرضوا اللّه قرضا حسنا - بتضعيف جزائهم وكرامة أجرهم - وبذكر الفضيلة للمؤمنين باللّه ورسله ايمانا حقيقيا - بأنهم هم الصديقون والشهداء عند ربهم ، والوعد لهم بأجر ونور مخصوصين بهم لمزيد شرفهم ومنزلتهم عند اللّه لمكان المعرفة اليقينية والعمل المنبعث عن محض المعرفة والإخلاص الذي لا يوجد مثله في غيرهم ، أما الأجر ففي مقابلة أعمالهم الخالصة ، وأما النور فمن لوازم معرفتهم المحضة بلا شوب غرض ورياء في الأول ، ولا تطرق شبهة وريب في الثانية . ( 19 ) ثم ذكر لتوضيح هذه المنزلة في الاعتقاد والعمل وشرافته بذكر ضدها فيهما ، وهو الفكر الذي هو أفسد مراتب الجهل - بإزاء فضيلة المعرفة باللّه - والتكذيب بآيات اللّه الذي هو أقبح القبائح العملية - بإزاء فضيلة العمل الصالح - وذلك لأن الأشياء تعرف بأضدادها . وأخبر بأنهم أصحاب الجحيم بحسب غريزتهم الأصلية ، كما أنهم من أهل هذه الدنيا بحسب طبيعتهم الفطرية ، إذ الجحيم من سنخ هذه الدار الفانية الهالكة